تعرف على سبب اكل الصين للحيونات وتاريخ بدا اكلها
تعرف على سبب اكل الصين للحيونات وتاريخ بدا اكلها

أكيد سألت نفسك ليه الصينيين بياكلوا القرف دا؟! خصوصا بعد ظهور فيروس جديد النهارده، طيب لو مش ﻻقي إجابة تابع البوست دا، عشان عندي تقرير ضخم شوية عن الموضوع دا بالتفصيل، فطول بالك لأن الحكاية دي لها أبعاد ممتدة لعقود طويلة في التاريخ الصيني، لحد ما بقت متأصلة في ثقافة وعادات الشعب دا، ولك أن تتخيل إن الصينييين بياكلوا كل حاجة صاحية، بتمشي فوق الأرض أو بتطير في الجو أو بتعوم في الماية، والكلام شامل الحيوانات والنباتات والحشرات، كل حاجة حرفيا..

السبب المباشر في خلق الثقافة والعادات دي هي المجاعات، البداية الموثقة لحالات أكل شاذة عن طبيعة البشر كانت سنة 108 قبل الميلاد، وفضلت تتزايد بنسب متفاوتة لحد سنة 1911م، لك أن تتخيل إن الفترة دي حصلت فيها 1828 مجاعة، وفي أماكن متفرقة من الصين، يعني تقريبا كدا مجاعة كل سنة مثلا، رغم إن أغلب المجاعات دي كانت صغيرة ومحلية، لكن حدوثها المتتابع دا عمل أزمة عنيفة أوي في الموارد الغذائية، ومن هنا اعمدوا على أي حاجة تنفع للأكل، ولكن كل دا حصل في نطاق محدود جدا، يعني ما ينفعش التعميم على الصين كلها..

ومن سنة 1851م، كان الفلاحين الصينيين عايشين في مستوى هامشي والجوع بينتشر بينهم بشكل كبير، وخصوصا بقى خلال الأربعينيات من القرن العشرين، لما وقعت الحرب اليابانية بكل ما فيها من ويلات، لايمكن بأي حال وصفها في سطور بسيطة كدا، الغزو الياباني والحرب الأهلية خلت الوضع أكتر سوء على الناس، ومع حالات القتل والتنكيل والتعذيب والفقر والجوع، رجع الشعب بشكل فرادي وجماعات للاعتماد على أكل كل كائن يقابلوه، وتم تسجيل حالات موت جماعي لعدم توفر الغذاء، أو فشل بعض الصينيين في هضم أوراق الشجر، كلوا الحشرات صاحية وبقوا بيطاردوا القطط والكلاب لقتلها وأكلها، ولكن برضو في حدود مقاطعات ومقاطعات مختلفة، مش تعميم على حدود الصين كلها..

وكانت المصيبة الكبيرة هي في أعداد السكان المتضاعفة باستمرار، المواليد بالملايين كل يوم، ولك أن تتخيل إن من نهايات القرن ال14 وحتى نص القرن ال20، زاد عدد السكان في الصين بشكل مطرد، ومع الفقر المنتشر والخلل اللي في اقتصاديات الأسر عمل حالة من اﻻعتماد على كا شيء بتقدمه الطبيعة، ومع التنوع البيئي في حياتهم تزايد لجوءهم على الكائنات اللي عايشة في أراضيهم، وفي نهايات الحرب اليابانية في الأربعينات كان المطبخ الصيني بيضم الحيوانات البرية كلها بشكل شبه أساسي، وبدأوا يطبخوهم ويستخدموا توابل وبهارات وأملاح جامدة أوي في طبخهم، ولاقت الأطباق دي رواج عند قطاع عريض من الشعب، لكن ما نقدرش نجزم إن دي البداية الحقيقية للأكلات اللي من النوع دا..

ﻻزم حضرتك تعرف إن لحد قبل سنة 1949م، كان الفلاحين الصينيين هم أصحاب الأرض المزروعة، بيقوموا بزراعة جيوب صغيرة من الأراضي دي بمحاصيل يا دوب تسد بطونهم، لكن بدأ “ماو تسي تونغ” في فرض سياساته اﻻشتراكية على البلد، فبدأ استخدام أنظمة احتكارية عشان تسيطر الدولة على الزراعة، ودا بغرض تمويل التصنيع، وطبعا دي قوانين مرفوضة عند الفلاحين، وبالتالي اقترح إن الفلاحين يشتغلوا تحت سيطرة الحزب الشيوعي الصيني..

دي بداية المأساة بقى، لأن الحزب أنشأ جمعيات تعاونية زراعية اشتراكية، بمسميات مختلفة وتخصصات متنوعة ومتدرجة، المفروض إنها كانت لتسهل مشاركة الأدوات الزراعية والحيوانات والمحاريث، كل دا بقى كان خير للشعب يراد به شر حرفيا، وتم تطبيق السياسة دي بشكل تدريجي بين 1949م و1958م، في ال9 سنين دي عملوا إحصائيات للعائلات الصينية وأعداد اللي شغالين في الفلاحة، وبدأوا في ضمهم سوا بالعشرات والمئات تحت مظلات العمل اﻻشتراكي الحكومي، وكان بيشجعوهم عشان يكونوا تعاونيات محلية والانضمام ليها، بحجة إن كدا ممكن يزود من فاعليتهم من غير ما يتسحب أراضيهم منهم أو تقييد سبل معيشتهم، وبعدين يصادروها ويحطوها تحت قبضة الحزب الشيوعي، سرقة مقننة يعني باسم الدولة أو الحزب وقياداته..

وبحلول سنة 1958م، كانت الملكية الخاصة بالفلاحين اتلغت بشكل تام، وتم إجبار كل العائلات في مختلف أرجاء الصين على الشغل في دولة بتديرها البلديات، وتحت رعاية الحزب والكوادر بتاعته المختلفة، وكانت السياسات دي مش مقبولة عند الشعب بس ما يقدروش يعترضوا، وكانت بيتم تطبيقها بأساليب احتيالية أو إلزامية أو تهديدية، المهم تتم وخلاص، في الغالب كان بيتم دعوتهم لاجتماعات مش حقيقية، بيحبسوهم فيها لأيام وأحيانًا لأسابيع لحد ما يوافقوا “بشكل تطوعي” على الانضمام إلى التعاونيات، ودا كله في “القفزة العظيمة للأمام” زي ما الصين مسمياها ﻻمؤخذة في الكلام..

ومش بس كدا، دا كمان أصر “ماو” إن البلديات ﻻزم تطلع مزيد من اﻹنتاج، وطالب بمضاعفة الغلال للمدن وتجميع العملة الصعبة من خلال التصدير، ودا اللي اتعرف باسم إجراءات النهضة الصينية إلى الأمام، في الفترة من 1958م إلى 1962م، ولكن دا كان كله عامل ضغط على مزيد من المعاناة للشعب الصيني، اللي اتقيد بين شغل السخرة في أراضيه وبين ضرورة توفير طلبيات البلديات، وانتشر الجوع والموت والقتل والتعذيب، في عمليات أشغال شاقة مؤبدة، ومعدل ساعات عمل ما يتحملهاش أي إنسان المحدود بقدراته الضعيفة..

فتعددت حالات العجز في دفاتر البلديات، وبدأوا يدوروا على حلول لسد النقص بتاع مخازن الحبوب، فكانت من أول الإجراءات المتّخذة في سبيل تحقيق النهضة الصينية هو قانون “الآفات الأربع”، ودي اللي طلب “ماو” بضرورة القضاء عليها، الفئران، الذباب، البعوض وطيور الدوري، وتم الترويج للحملة على إنها حملة نظافة من قبل “ماو تسي تونغ”، اللي حدّد الحاجة لإبادة البعوض عشان بينقل الملاريا اللي بتقتل المواطنين، وبالتالي بيعمل عجز في أعداد العمال في الحقول، والفئران اللي بتنقل الطاعون اللي بيقوم بنفس وظيفة الملاريا، والدبان كان رخم وبيضايقه مش أكتر، وفي الأساس كان ﻻزم يبيد عصافير الدوري لأنهم أكلوا حبوب البذور وقاموا بسرقة الثمار، فكانوا بيقدروا إن العصفور الواحد بياكل 4 كيلو حبوب في السنة، فكون العصفور دا يتقتل معناه توفير 4 كيلو زيادة في مخازن البلدية.. ببساطة يعني..

حشدوا الشعب الصيني لقتل الطيور، كانوا بيخرجوا جماعات لمطاردتها وهما بيخبطوا ويرزعوا الأواني والطبول، يعملوا ضجيج وأصوات ترعب وتخوف العصفور فتمنعه من الهبوط للراحة على الأغصان، فبتستمر في طيرانها غصب عنها، وبيجبروها على البقاء في الجو لححد ما تقع من السماء بفعل الإرهاق، بيفضل الطير يرفرف لحد ما بتستنزف قدرتها على الاحتمال والتحليق، وفجأة قلوبها الضعيفة بتتوقف وبتسقط زي الحجر على الأرض، وساعات تنفجر شرايينها من كتر المجهود المبذول، بعد ما اتدمرت أعشاشها واتكُسّرَ البيض، وقُتلت الطيور الصغيرة، وخرجت فرق كشافة مدججة ببنادق الصيد، فأطلقوا النار على طيور الدوري وأي طيور تانية في السماء، على مدار سنتين استمرت المدبحة اللي أدت لشبه انقراض للطيور دي في الصين..

وعلى بداية أبريل 1960م، زي الأيام دي كدا من 60 سنة بالظبط، أدرك قادة الحزب الكارثة اللي حلت على بلدهم، لأن بدل من ارتفاع محصول الأرز بعد الحملة انخفض ﻷقل من التلت، وهنا كانت المصيبة اللي اقترفوها بأياديهم، ﻷن الحقيقة أن طيور الدوري أكلت كمية كبيرة من الحشرات وكمان الحبوب، يعني ما كانتش بتاكل حبوب وبس، فلما انتهت العصافير زادت الحشرات اللي أكلت المحاصيل بشكل بشع جدا..

وهنا أمر “ماو” بإنهاء حملة القضاء على عصافير الدوري واستبدالهم ببق الفراش في حملة آفات اﻷربع، وبحلول الوقت دا كان الأوان فات بقى، ﻷن الجراد كان اندفع بدون ما يقابله أي عدو، ﻷن عصافير الدوري كانت بتلتهم أسراب الجراد على المحاصيل، فتضخمت جماعات الجراد وتفاقمت المشاكل البيئية اللي سببتها “القفزة العظيمة للأمام”، خصوصا مع إزالة الغابات استخدام السموم والمبيدات الحشرية على نطاق واسع، عشان يحاولوا السيطرة على هجوم الحشرات والجراد، وتسبب الخلل البيئي في ظهور المجاعة الصينية الكبرى من سنة 1958م لسنة 1962م..

“ميرسكي” بيقول عن فترة مصادرة الأراضي والسياسات الجديدة دي: “الحظر الذي فرض على الممتلكات الخاصة قد دمر حياة الفلاحين في أهم مستوياتها، فلم يكن القرويون يتمكنون من توفير كمية كافية من الطعام من أجل الاستمرار في الحياة، حيث تم حرمانهم من الوسائل التقليدية المرتبطة بتأجير أو بيع أو استخدام الأراضي كضمان للحصول على القروض من خلال نظام البلديات”…

وكانت فيه حوادث عنيفة جدا بتقع في القرى والمدن المختلفة، دا بالتوازي مع الكارثة البيئية المستمرة بلا هوادة، شغل سخرة وتعذيب بدون أي راحة أو غذاء، عمل في عمل في عمل، ليل ونهار وفي كل وقت، وخصوصا مع تفعيل نظام البلدية، اللي بقى كل همها تستيف الورق وشحن المخازن بالحبوب والغلال، لدرجة إن فيه حادثة مشهورة لما قام رئيس الحزب وزملاؤه بأعمال هوسية، قاموا بقيادة المئات من القرويين للشغل في الحقول، ناموا في الطل تحت طقس سيئ جدا وهجوم الحشرات وحاجة زفت، للعمل لعدد ساعات لا يطيقها البشر، مع إجبارهم على السير شبه عراه وحافيين، وجعانين، وأجسامهم مفحوتة ومليانة أمراض، سحبوهم لمشروعات إضافية بعيدة جدا..

وبالإضافة بقى لكل اللي سبق دا بكل تغيراته الاقتصادية، قام الحزب بتطبيق تغييرات اجتماعية ضخمة في الريف، طردوا كل المؤسسات والاحتفالات الدينية والمتصوفة، وقاموا بهدم كل الطرق اللي اعتمد عليها الفلاحين في معيشتهم، واستخدم النظام الشيوعي الاجتماعات السياسية وجلسات الدعاية للترويج ﻷفكاره، بغض النظر عن الفشل الذريع اللي موجود على أرض الواقع، فقامت ضده معارضة وثورة عنيفة من اليمينيين، فما كان من “ماو” إلا إنه -بكل بساطة- اتحول لجانب المتشددين، دا بمجرد أن لاقت سياساته معارضة شعبية نتيجة الجوع الفقر والقهر، فقام بدور الديكتاتور كما يجب أن يفعله حاكم بياخد اﻻشتراكية غطاء لأفاعيله، وطبعا دا ممكن نعمل عليه إسقاط على اسماء كتيرة نعرفها، والمهم قام بالتخلص من أكتر من مليون شخص في حملة مقاومة اليمينيين، واللي اتمكنت بكفاءة من إسكات كل أصوات المعارضة من داخل الحزب أو من الخبراء الزراعيين أو عوام الشعب، قتل في قتل لدرجة إن عادي الناس تلاقي حد انضرب بالرصاص وهو ماشي كدا، وبقى وجود جثة في وسط الشارع أو في الحقل أو في النهر دا شيء عادي جدا بالنسبة للناس..

ولم تحقق المرحلة الأولى من التنظيم الجماعي أي نجاح، ورغم كل دا مفيش حد اعترف بالمجاعة الشاسعة اللي بدأت تظهر سنة 1956م، رغم أن وسائل الدعاية الخاصة بالحزب أعلنت بشكل تصاعدي عن زيادة مستويات الحصاد، لكن واقعيا ما لقاش شعب الصين اللقمة الناشفة حتى، وهنا رجعوا لعاداتهم القديمة واللي كانت مش متوسعة بالشكل المطلوب، ولكن المرة دي بقى بقت الناس ما بتتكسفش من أكل التراب، فتشوا عن الطير وعملوا الفخاخ وأكلوه بكل الأشكال، وأكلوا الكلاب والقطط والفئران والسحالي والتعابين والخفافيش والحشرات، اصطادوا السمك ومصمصوا القواقع ولحسوا الزلط، مضغوا وبلعوا أوراق الشجر وأغصانه اللي تنفع تتهرس، ونهشوا حشيش الأرض بكل أنواعه، ورغم كل القرف اللي أكلوه دا مات الملايين، التقارير الصينية نفسها بتقول مات حوالي 20 مليون بني آدم، رغم إن فيه تقارير دولية قالت إن العدد وصل ل40 مليون شخص..

الجراد اللي اجتاح المحاصيل بعد شبه انقراض طيور الدوري، كانوا بياكلوه، لقيوا الناس إن في أي أزمة ممكن يبقى فيه مصدر للغذاء، والفئران اللي بيصطادوها ويسلموها للبلديات عشان حملة اﻵفات اتحولت لوجبات، واتفننوا في طرق طبخها وأكلها، وبناء على كل دا ما بقاش فيه كسوف، خلاص الجوع وحد عادات الناس مع بعضها، واتمسك الصينيين بالعادات الزفت دي رغم كل الأمراض اللي بتتسببها، ولعقود طويلة اترسخ في ذهن الشعب دا إن الكائنات دي هي سبب إنقاذهم في وقت المجاعة الكبرى دي، ومهما كان فيه انتقاد كان برضو التشبث بأكل كل الكائنات الحية، وبقى فيه ترابط بين المواطن الصيني وبين الوجبات دي بكل شذوذها، خصوصا وإن تجارب المجاعات اللي اﻵباء والأجداد بيحكوها لسة حاضرة، ومستحيل يتخلوا عن العادات دي لأنها كانت السبيل الوحيد للبقاء..

ورغم كدا بدأت نوعا ما الأجيال الجديدة ما تاكلش الحاجات الشاذة دي، وبقى فيه سلوك اجتماعي عام لرفضها ونبذها، رغم تمسك الصينيين الكبار في السن بأكلها، ولكن الصغيرين المنفتحين على العالم رفضوها، ومنعوا الأطباق دي من المطاعم العامة، ولكن في المناسبات زي الأفراح مثلا ﻻزم ياكلواها لأنها بقت تراث بيحاولوا يتمسكوا بيه، لكن اقتصر أكلها كأطباق يومية في بعض الأماكن والقرى مش في عموم أنحاء الصين، والتقرير الطويل دا بيشرح لك تاريخ الأطعمة الغريبة على البشر دي، وبعد كل ما سبق تعرف حضرتك الأسباب اللي دفعت الناس دي لأكل كل شيء حي..

الكاتب: أحمد الكراني